محمد أبو زهرة
3386
زهرة التفاسير
والأكثرون على أن الضمير الفاعل في قوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ يعود على اللّه ؛ لأنه في النفس دائما ، ولأنه صاحب العهد الذي عاهدوه على الوفاء به ، ومعنى إعقابه سبحانه وتعالى النفاق لهم أنه سبحانه وتعالى وقد ساروا في طريق الغى والضلال أمدهم بما يزيدهم عتوا ونفاقا ، وطغيانا ، فأمدهم في طغيانهم ، وهم الذين ابتدءوه . إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ سبحانه وتعالى ، وعندئذ يكون العذاب الذي أنكروه بعد الحساب بعد أن ترى كل نفس ما فعلت ، وبعد أن يأخذوا كتابهم بشمالهم . وقد بين سبحانه ما غذّى نفاقهم ، وزاده فقال تعالى : بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ أي أخلفوا الوعد الذي وعدوه للّه تعالى ، وجعل الإخلاف للّه ابتداء لبيان جرمهم فيما فعلوا ، إذ إنهم أخلفوا اللّه تعالى خالقهم وبارئهم ومالك أمرهم ، وأي نكر أشد من ذلك ، وقوله تعالى : ما وَعَدُوهُ كأنه في مقام البيان لما أخلفوا به رب البرية ، فأي أمر تنكره العقول أبلغ من ذلك ! وأي نفاق أجرأ وأمكن من ذلك ! ، أي أنهم زادوا نفاقا إلى نفاقهم بسبب إخلافهم اللّه ما وعدوه ، وبسبب كذبهم على اللّه سبحانه وتعالى ، ولذا قال تعالى : وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ . أي وبسبب استمرارهم على الكذب ، لأن ( كان ) تدل على الاستمرار ، والتعبير بالمضارع يَكْذِبُونَ يدل على تجدد كذبهم آنا بعد آن ، فحديثهم كذب مستمر متجدد ، وإن الكذب يهدى إلى الفجور ، والفجور يهدى إلى الفسوق ، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا ، وإذا وصل الإنسان إلى هذا الحد صار منافقا ، وإن كان منافقا ازداد نفاقا على نفاقه . وإنهم يعاهدون ويخلفون ، ويكذبون حاسبين أن اللّه تعالى لا يحصى ما يفعلون ، ويدبرون ويعاهدون ، واللّه عليم بهم ، ويحسبون أنهم يخدعون اللّه ، واللّه خادعهم ، ولذا قال تعالى :